- ما هى الرؤية ؟
سؤال
فى منتهى الأهمية بالنسبة لحياة أى خادم للرب ...
والإجابة المتوقعة له ليست مجرد " الفهم
الجيد " لمعنى الرؤية , لكنها أيضاً تعنى الإدراك و التلامس الفعلى لعمل الرؤية فى
حياة الخادم
فمن هذه النقطة ( الرؤية ) تبدأ حياة الخدمة ... و بناءاً عليها
تنضج و تثمر , فإذا كانت نقطة البداية خاطئة أو خادعة , فإن ما يبنى عليها إما أن
يكون ضعيفاً باهتاً أو زيفاً مزوراً .
لذلك كان من الهام جداً للخادم قبل
الإنخراط فى أى مجال للخدمة , أن يقف أولاً ثابتاً على رؤية الخدمة فى حياته بحسب
مشيئة الله له , حتى إذا تحرك بعد ذلك فى خدمة ما يكون مؤيداً بالروح القدس فى كل
خطواته , لأنه يتحرك بحسب خطة الله لحياته . فما هى الرؤية إذن ..
؟
يشرح د. نبيل أرتيل فى كتابه : رؤى الساعة الأخيرة معنى الرؤية فيقول :
" الرؤية الروحية هى - فى محاولة للتقريب و التعريف - مشاهد تستقبلها الروح
الإنسانية , التى تجددت بالروح القدس , حينما يسطع عليها نور الإعلان الإلهى بالروح
القدس , وهذه الرؤية تشترك فى إستقبالها و تكوينها الحواس الروحية المتدربة على
التمييز الروحى , والتى تكونت لديها إمكانية المعرفة الروحية و تسهر على مداومة
المعرفة فى النور الإلهى المستمد من التواجد الدائم فى حضرة الله , ثم تحويل هذه
المشاهدات الروحية إلى مشروع عمل له خطة مدروسة متكاملة قابلة للتنفيذ "
- فلا يظن إذن كل من لديه
" أفكار جيدة " عن الخدمة أنه يمتلك " رؤية للخدمة "
- و لا يعتقد أيضاً كل من
له " أشواق رائعة " للخدمة , أن هذه الأشواق هى فى حد ذاتها " رؤية للخدمة " , فالرؤية ليست مجرد أفكار و أشواق مكتسبة تجاه الخدمة ...
و ما
نستطيع أن نميزه أو نعزله عن باقى المكونات الشخصية للخادم ( الفكر , المشاعر ,
الإرادة ) , لا يمكن أن يعتبر - بحسب فكر الله - رؤية روحية حقيقية للخدمة .
فالمعلم المستنير المتعمق فى دراسته , من غير المقبول مثلاً أن تجده فى حياته
الخاصة تافهاً سطحياً , أو أن يكون فى عمله ( وظيفته العلمانية ) مستهتراً أو غير
فاهماً لمهامه الوظيفية بطريقة جيدة , إلا إذا كان مرائياً مثل الكتبة و الفريسيين
.
كذلك النبى المنذر الذى لا يقبل فى حق الله أن تكون كنيسته ملامة , و لا
يستريح و لا يهدأ حتى يخرج بها إلى النور .. فمن غير المقبول أيضاً أن تراه
مستبيحاً أو مستهتراً مع أهل بيته فى الشر أو الخطية , إلا إذا كان أحد الأنبياء
الكذبة الذين يضلون شعب الرب .
فالأساس فى الرؤية الروحية , أنها تنغرس فى نفس
الإنسان بعمق حتى تصبح من صميم طبيعته و تكوينه , و تساهم فى تشكيل شخصيته بالطريقة
التى تصبح بها هذه الشخصية أكثر ملائمة لتحقيق أهداف هذه الرؤية .
- و قد لا تكون المتناقضات
فى شخصية الخادم صارخة إلى هذا الحد , و ربما تكون غير ملحوظة للعيان , أو قد لا
يتعدى الأمر كونه عدم تناغم بين ما تتطلبه الخدمة فى شخصية الخادم و بين باقى
مكونات شخصيته .. إلا أنه فى جميع الأحوال ستكون الرؤية قاصرة غير ناضجة و الخدمة
شحيحة الثمر ضعيفة التأثير .
فالقاعدة هى أن تتحد كل مكونات شخصية الخادم فى
الخضوع لتشكيل الروح القدس من خلال الرؤية الروحية لحياته و خدمته . فالرؤية - إن
جاز لنا التعبير - تعيد تربية الإنسان من جديد بحسب ما يتوافق معها , لتنتج لنا فى
النهاية خادماً سوياً تعمل كل مكونات شخصيته على دفع خدمته دائماً فى إتجاه إيجابى
مستمر .
و لا يفهم القارئ من ذلك أنى أنشد خادماً كاملاً لا يخطئ - حاشا لله -
فالله وحده هو الكلى الكمال الذى لا يخطئ .. و سيظل الضعف البشرى دائماً جزءاً من
مكونات الإنسان طالما لازال ساكناً فى جسد الخطية .. لكن ما يحدث هو أن هذا الضعف
البشرى يكون واقعاً تحت سيطرة إرادة الخادم حسب قول الرسول بولس فى ( 1كور
9 : 27 ) " بل اقمع جسدي واستعبده حتى بعد ما كرزت للآخرين لا اصير انا نفسي
مرفوضاً " , و المعنى المقصود هو تطويع الجسد و إخضاعه لسلطان الإرادة
التى تخضع بدورها لسلطان روح الله الساكن فيّ . و يحتاج الخادم إلى وقت كافى من
التدريب و المجاهدة حتى يحكم سيطرته على جسده .. حتى يصبح الضعف البشرى كامناً غير
ذى فاعلية , أى أنه يصير ضعفاً " مع إيقاف التنفيذ " بسبب نعمة عمل الروح القدس فى
حياة الخادم .
و قد يتشكك البعض من
إمكانية تحقيق مثل هذا المستوى من عمق الرؤية فى حياة الخادم .. لهؤلاء أقول ان
الإتكال على نعمة المسيح , و الثقة فى قوة عمل الروح القدس فى قلوبنا , و قدرته على
تغيير حياتنا , هما الضمان الكامل و الكافى لتحويل المستحيل فى حياتنا إلى حقيقة ..
إقرأ معى صلاة بولس الرسول من أجل أهل أفسس ( أف 3 : 14 - 21 ) و
تأمل معى عمق و روعة المستوى الروحى الذى يتوقعه بولس فى حياتهم .. لم يكن بولس
يجامل أهل أفسس , فقدم لنا تعبيرات مبالغ فيها .. أو لم يكن بولس يحاول تشجيعهم
ففاه بكلمات مفخمة بينما فى قرارة نفسه يقر أنها مستحيلة التحقق - و حاشا للوحى
المقدس أن يكون كذلك - لكن ما حدث ببساطة هو أن بولس كان يرى أهل أفسس و هو يصلى
لأجلهم بهذه الصلاة من منظور ما يمكن أن تفعله قوة عمل روح الله المغيرة التى تعمل
فيهم - و لأنه كان مدركاً تماماً لما يمكن أن يصنعه الروح القدس من تغيير فى حياتهم
- فقد كان مصدقاً مؤمناً بإمكانية حدوثه .
من جهة أخرى فإن الرؤية
الحقيقية للخدمة هى رؤية مؤثرة , فاعلة , منجزة .. بمعنى أنها لابد و أن تترجم إلى
أهداف و خطط عمل , ثم يكون لها نتائج و إنجازات تظهر للواقع ليراها الجميع . يقول
د.ق إكرام لمعى : " أن الرؤية ليست مجرد محاولة إستقراء للمستقبل أو التنبؤ
به لكن صنعاً له " . و يؤكد د. نبيل أرتيل ذلك فيقول : " ليس
المقصود ( بالرؤية ) أن نملأ رؤوسنا بالأفكار الجميلة , بقدر ما نقصد أن تمتلئ
حياتنا بالأعمال المجيدة التى تعظم إسم إلهنا ، و الرؤى التى لا تلد عملاً روحياً
ولوداً للنفوس , يصنع المستقبل من الحاضر , ليست فى الحقيقة رؤى روحية , بل كلاماً
مرسلاً و سفسطة ينبغى السكوت عنها سريعاً .. فهيا ترجم ما لديك من أمور إلهية زرعها
فى تربة حياتك الروح القدس , إلى أشجار مثمرة تشبع قلب الرب و تمجد إسمه , و تعمل
على نمو كنيسته الحية و ملكوته الأبدى " .
جدير بالذكر أيضاً أن
ننتبه إلى ضرورة التمييز بين طموحاتنا و أحلامنا الشخصية , و بين الرؤية الروحية
التى يزرعها و ينميها الروح القدس فى حياتنا . فلا ينبغى أن نخلط بينهما , و لا
ينبغى أن نضع طموحاتنا الشخصية فى موضع الرؤية الإلهية لحياتنا , فالطموح منبعه
الذات بينما الرؤية منبعها عمل الروح القدس فى حياتنا , كذلك فإن الدوافع وراء
طموحاتنا عادة ماتكون ذاتية تدور حول " الأنا " و تهدف فى المقام الأول
إلى " تحقيق الذات " . بينما الدوافع وراء الرؤى الروحية هى دائماً دوافع
روحية مقدسة , تختفى منها " الأنا " و الأنانية , وتهدف دائماً لإعلان كلمة الله و
تمجيد إسمه .
و تعتبر خدعة الخلط بين الطموح وبين رؤية مشيئة الله و خطته للحياة
, من الخدع القديمة التى يمارسها عدو الخير ليبطل بها تعب خدام الله و يطفئ نار
الروح القدس فى حياتهم , وعندما تنجح تلك الحيلة مع أحد الخدام , فإن عدو الخير
يعلم تماماً أنه بذلك قد نجح فى تحييد ذلك الخادم و إبطال مفعوله المدمر له و
لمملكته .
  |